مَلامح وإتجاهات الرأسمال و مَكانة البروليتاريا
وثائق المنظمة

مَلامح وإتجاهات الرأسمال و مَكانة البروليتاريا

المجتمع البشري امام عصر جديد من عولمة الرأسمالية على كافة الاصعدة بما فيها الانتاجية، والتجارة الدولية وإندماج الاقتصاد العالمي كوحدة إقتصادية معولمة، والقوة الانتاحية العالمية الحية (قوة العمل) والتكنولوجيا الذكية، اندماج ووحدة الانتاج  والارباح للشركات العالمية الكبرى، حيث اصبح العالم كله بلدأً معولما واحداً لإستثمار وإنتاج و تشغيل العمال و إنتاج سلسلة من المواد الوسطية... و عبر قوانين موحدة فيما يخص السوق العالمي تقريباً. وفيما يتعلق الامر بالطبقة البروليتارية و على الرغم من العوائق الكبيرة التي وضعت امام تنقلاتها  و هجرتها، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين يعيشون خارج "بلدانهم الأصلية" 281 مليون شخص في عام 2020 حيث نسبة اللاجئين فيها 12٪ فقط، وفق إحصائية "شعبة السكان بإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة (DESA)". اما بخصوص ادارة العالم الراهن حيث يتم ادارته عالميا سواء كان اقتصاديا، سياسيا او في بعض الأحيان إجتماعيا و حقوقيا عبر مؤسسات عالمية عدة، فان المجتمع البشري يعيش في ظل التأريخ العالمي الفعلي: "وهكذا فإن البروليتاريا لا يمكن ان توجد الا على صعيد التاريخ العالمي تماما، كما الشيوعية التي هي نشاطها، لا يمكن ان تصادف على الاطلاق الا من حيث هي وجود "تاريخي عالمي". الوجود التاريخي العالمي للأفراد، وبكلام اخر وجود الافراد المرتبط مباشرة بالتاريخ العالمي."(ماركس-انجلز/ إلايدولوجية الالمانية).

الركائز الموضوعية او ما تسمى بالبنية التحية المادية كما ذكرنا اعلاه، مهددت بالكامل لصالح الشيوعية، وفق تطور حركة الرأسمال ذاته وتناقضاته الداخلية المتلاصقة به وبنظامه. الركيزة الوحيدة الموضوعية الباقية هي البنية الحية أي طبقة البروليتاريا و مدى استعدادها السياسي و الفكري و التنظيمي لقلب النظام الرأسمالي رأساً على العقب، و بناء نظامها الاشتراكي.

البروليتاريا العالمية تواجه تحديات جمة ابتداءً من ضعف التنظيم والوعي الاشتراكي في داخل صفوفها وصولا الى الضعف البنيوي التي انتجته الرأسمالية عبر تأريخها و هي : البطالة الصاعدة، قلة الأجور، سلب المكتسبات التاريخية للبروليتاريا و قلة الخدمات الصحية و الاجتماعية، و ميل الرأسمال وسلطته لتقليل الخدمات العامة و الميل نحو العمالة الرخيصة على الصعيد العالمي، حيث ان البروليتاريا تناضل في ظل أزمة الرأسمالية العالمية، بالاضافة الى تفشي جائحة كورونا في هذه المرحلة العصيبة و في خضم المرحلة التي تتسم بالانتقالية من نظام عالمي أمريكي الى نظام عالمي جديد و متعدد الاقطاب. في ظل هذه الظروف  وانعكاستها على الدول المختلفة، تناضل البروليتاريا ولا بد ان تتبنى نهج النضال كوسيلة وضرورة تاريخية و حاجة ملحة ليتسنى لها العيش والبقاء بشكل إنساني و تحرر نفسها بنفسها من خلال إلغاء ظروف حياتها القاسية و اللاإنسانية المفروضة عليها. وفي سبيل تسجيل إنجازات تأريخية كبيرة على الصعيد العالمي واخيراً لتمكينها من قيادة ثورتها البروليتارية واسقاط النظام الرأسمالي وبناء نظامها الاشتراكي. القضية الأهم بالنسبة للبروليتاريا الواعية لمصيرها هي إحداث الثورة الاجتماعية وإلغاء الطبقات. "في الواقع وبالنسبة للمادي العملي، أي الشيوعي، فإن الأمر يتعلق بإحداث ثورة في العالم القائم، و التعامل عمليًا مع الأشياء الموجودة في الوجود و تغييرها". (ماركس-انجلز/ مصدر السابق).

البروليتاريا كطبقة عالمية، ستتعلم وستدرك يوما بعد يوم ماهية النظام الرأسمال العالمي ومؤسساته المختلفة ومدى صلابة منظماته العالمية واشكال تطورها واتجاهاتها المختلفة وتدرك أيضا مدى تناقضاته مع تطلعاتها، طموحاتها ومعيشتها، خصوصا في ظل الازمة الاقتصادية العالمية الراهنة والتداعيات التي أفرزها جائحة كورونا. هذا المسار بدأ يطفح على السطح وستتعمق يوما بعد اليوم بصورة ساطعة، وعلى هذا الأساس تتحرك البروليتاريا وفقا لموقعها وحالة المواجهة مع البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتطورة او في عدة بلدان في آن واحد، او وفق توازن القوى الطبقية في بلد ما.

وفق ما وردت أعلاه، تتفرع هذه الوثيقة الى الأقسام التالية:

أولا: إلاتجاهات الرئيسية لإدارة النظام الرأسمالي العالمي:

سلطة الرأسمال -القوتين العالميتين الكبيرتين-: الصين و امريكا. الصين من الناحية الحسابية تتجاوز الإقتصاد الأمريكي من زوايا عدة. إن القطبين الرئيسيين لسلطة الرأسمال على الصعيد العالمي يتصارعان بصورة مستدامة وبضراوة، على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية: بدأً من ميزان التجارة الخارجية، طرق التجارة الخارجية، الاستحواذ على الأسواق و الصناعات الذكية وخصوصاً الأجيال الجديدة لشبكات الجيل الخامس لـلانترنيت وحول الطاقة المتجددة، التكنولوجيا العسكرية، الفضاء و على عقول الصناعات الذكية الى ان تصل الى توزيع مناطق النفوذ.

ألف: أمريكا قادت العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية و قادت العالم كله بعد سقوط جدار برلين. النظام الرأسمالي الامريكى يرى ان قيادة العالم الرأسمالي يجب ان تبقى تحت امرته، و صرح قادتها مرارا و تكراراً بذلك واخيراً صرح جو بايدن  في أول مؤتمر صحفي له في البيت الأبيض بتاريخ 25.03.2021 "بإن الصين لن تصبح القوة العالمية الأولى خلال ولايته".

 ان الاستراتيجية السياسية المنافسة للطبقة البرجوازية الامريكية ازاء الصين هي وقف أو إعاقة تقدمها ترتكز على:

 اولا: الإحتواء العسكري والسياسي والدبلوماسي "دبلوماسية القيم والضغط السياسي القصوى" من جانب والإحتواء الاقتصادي من جانب اخر وفق المد والجزر للمصالح الامريكية "الحمائية والحصار التجاري على بعض المواد مثل: الرقائق الالكترونية ومنع هجرة العقول و خصوصا في قطاع الصناعات الذكية وفرض التعرفة الكمركية، عقوبات اقتصادية أو منع الاستثمار مثلا في الخزائن السيادية (الصناديق السيادية) ومنع نشاط الشركات المنافسة في الأسواق الامريكية. واخيراً قرار مجموعة السبع الغربية G7 بقيادة أمريكا في اجتماعهم يوم 2021.06.12 في بريطانيا بإطلاق خطة اقتصادية عالمية لمنافسة "طريق الحرير الصيني" تحت اسم "إعادة بناء العالم بشكل أفضل".

 ثانيا: محاولة احياء التحالفات القديمة خصوصا بين جانبي الأطلسي التي تضررت في عهد دونالد ترامب و ترميم تحالفاتها الإستراتيجية مع كوريا الجنوبية، واليابان، واستراليا والهند وحملة الضغط القصوى عبر تحرشها واستعراض قوتها في بحر الصين الجنوبي وتايوان، والتدخل في الشان الداخلي الصيني عبر قضايا حقوق الانسان و الديمقراطية في هونك كونك و قضية الايغور في منطقة شينجيانغ  ذاتية الحكم ...الخ.

ثالثا: ابعاد روسيا عن عقد تحالفات و شراكة استراتيجية مع الصين، و إبعاد الاتحاد الاوروبي و خصوصا المانيا عن تحالفات وعقد صفقات اقتصادية ضخمة مع روسيا، ومحاولة ابعاد الدولتين عن الصين في نفس الوقت.    

رابعا: احياء و تأجيج  الجماعات الارهابية في مناطق تركستان الشرقية و آسيا الوسطى و إطلاق الحروب بالوكالة في العديد من الدول التي تعيق حركتها و سياساتها "تعتبر سوريا خير مثال على ذلك". و اخيرا عبر إعادة انتشار قواتها المسلحة في مناطق مختلفة من العالم و خصوصا في الشرق الاوسط و بالتحديد في أفغانستان، العراق و الخليج بصورة عامة عبر عقد الاتفاق النووي مع ايران و إدخال اسرائيل ضمن القوات الامريكية في الشرق الاوسط و التركيز على الصين و الباسفيك.

باء: الصين كقوة عالمية صاعدة ترتكز بصورة اساسية على قوة اقتصادها و نموها المستمر لحد الان عبر العمالة الرخيصة والايدي العاملة الماهرة المؤهلة للعمل في قطاعات التكنولوجيا الذكية. إن إستراتيجية الطبقة البرجوازية في الصين لمواجهة أمريكا الشرسة تعتمد اساسا على عالم تقوده عبر نظام عالمي متعدد الاقطاب و تتحرك على هذا الأساس. لتحقيق هذا الهدف تعتمد الصيىن على:

 أولاً: بناء مؤسسات موازية للمؤسسات العالمية التي أسستها القوى الغربية بقيادة امريكا من البنوك العالمية و منتديات عالمية الى تحالفات سياسية عالمية.

 ثانياً: بناء اضخم مشروع اقتصادي في التأريخ عبر مشروع طريق الحرير"الحزام والطريق" الذي  يربط اكثر من 120 دولة عبر العالم و تطعيم البلدان الواقعة على الطريق الحرير بالقروض الميسرة و بناء البنية التحتية الضرورية وفي التحليل الاخير السيطرة عليها عبر النفوذ و السلطة الاقتصادية.

ثالثاً: إزاحة امريكا عن قيادة العالم مثلا؛ عبر قوانين عدم التدخل في الشؤون الداخلية و إدارة العالم وفق معيار و قوانين الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والوقوف بوجه أعمال أمريكية أحادية الجانب.

رابعاً: الدبلوماسية الهادئة نوعاً ما، اي دبلوماسية بدون ضجيج، و استخدام الرد المباشر على العقوبات الأمريكية و الغربية بصورة عامة.

 خامساً: عبر الوقوف بوجه "الدولرة" و تقليل قوته كعملة عالمية أولى، و التعامل مع الدول المتحالفة معها بعملات محلية خصوصا، وتهدف الصين ان تكون يوان الصينية العملة الاولى في سلة العملات العالمية.

عليه فان رسم النظام العالمي الجديد على انقاض قوة رأسمالية امريكية سيتم في التحليل الاخير عبر منافسة و صراع مرير بين تلك القوتين الرئيسيتين و المتحالفين معهما و خصوصا روسيا و الدول الاوروبية و بالتحديد "المانيا وفرنسا وبريطانيا" واليابان و الهند. البروليتاريا العالمية تعيش في خضم الازمة الاقتصادية العالمية الرأسمالية الأعمق منذ نشوئها، كنظام اجتماعي سياسي تضاف الى ذلك تعيش في زمن جائحة كورونا اللعينة التي ضربت حالتها المعيشية على الصعيد العام هذا من جانب، اما بخصوص الجانب الاخر تسير كل هذه الصراعات الشرسة في المرحلة التاريخية الانتقالية التي يمر بها العالم الرأسمالي  نحو نظام عالمي جديد على انقاض الامبراطورية الامريكية، مكانتها و نفوذها العالمي.

ثانيا: الاتجاهات الرئيسية لإنتاج و إستثمار الرأسمال -إنتاج تراكم رأس المال و تركيزه-:

الإتجاهات الرئيسية للرأسمال على الصعيد العالمي يتمحور حول: التركيز، الإحتكار وعولمة مستوى الأجور

اولا: التركيز؛ تجديد الإنتاج على نطاق موسع، بمعنى تحول فائض القيمة الى رأسمال بصورة مستمرة و عبر كل دورة انتاجية، و سرعة دورانه. لكن التركيز و كما كان دائما وخصوصا في هذه المرحلة مع التطور الثوري للقوى المنتجة عبر إستخدام التكنولوجيا الذكية في كافة ميادين الحياة الاجتماعية و لو بصورة جزئية لحد الان، يتطلب دائما و أبدا ابتكارات علمية جديدة. إن إدارة الكتلة البشرية الضخمة على الصعيد العالمي التي تقذفها التكنولوجيا الذكية و التمركز والمنافسة الى خارج اطار العملية االإنتاجية، و هذا يؤدي الى نمو البروليتاريا بالمفهوم النوعي، بمعنى الجزء العاطل عن العمل -الفائض السكاني- سيكون نسبة كبيرة جداً و خصوصا بعد تداعيات جائحة كورونا والازمة الاقتصادية العالمية المتفشية التي تم تغطيتها جراء الجائحة. و كما يقول ماركس "فتراكم رأس المال هو، إذن، نمو للبروليتاريا" (رأس المال المجلد الاول). سنرى عملية التركيز في: القوة المنتجة المتجددة التي تعمل في إنتاج التكنولوجيا الذكية؛ القطاعات الجديدة من الطاقة النظيفة بكل فروعها و التكنولوجيا الذكية في قطاع الاتصالات و المعلومات -الجيل الخامس من شبكات الانترنت- تدخل ضمن تجديد إلانتاج على ألاساس الموسع عالميا ويجب علينا ان لاننسى عملية التمركز ايضا على اساس الاندماج او الاستحواذ.

ثانيا: المزاحمة و الإحتكار: المزاحمة تؤدي الى الاحتكار. السبب و النتيجة  يتبادلان مواقعهما بإستمرار، ظاهرتين حتميتين في ظل إسلوب إلانتاج الرأسمالي. لكن المزاحمة والاحتكار ليس على الصعيد الوطني فحسب بل العالمي. المزاحمة في هذه المرحلة أدت و ستؤدي الى احتكارات عالمية اضخم في مجال الاتصالات و المعلومات و شبكات الانترنت من الجيلين الخامس و السادس، البنوك العالمية و الأمن السيبرياني و الطاقة المتجددة و التجارة، الطرق و المواصلات البرية و البحرية و السكك الحديد، و البنية التحتية اللازمة للشحن و المؤانئ.... لحد الان يتميز اسلوب الإنتاج الرأسمالي بان لديه قابلية الانعطاف في ظل تطور التكنولوجيا الذكية  و التخلف التكنولوجي لدى كثير من الدول في العالم و بالتحديد في القارة الافريقية و غرب  و وسط اسيا و اكثرية الدول في امريكا اللاتنية....وصلت المزاحمة الى الاحتكار بالقوة او وفق القوة بين الصين و امريكا بالتحديد. ليست القوة العسكرية فحسب، بل القوة الاقتصادية أو ماتسمى القوة الدبلوماسية و الإعلامية. التمركز على الاحتكار سيؤدي الى الحروب .

ثالثا: و هو الاتجاه الأهم:  المتمثل بالميل المستمر من أجل عولمة مستوى الاجور على الصعيد العالمي. ربما تبدأ على صعيد التكتلات الإقليمية, بمعنى ميل الطبقة البرجوازية العالمية نحو اعادة صياغة الاجور ليس على الصعيد الوطني فحسب بل عالميا. و هذا مشروط ببنية تحتية عالمية ونظام غذائي عالمي ضروري، بطبيعة الحال هجينة و ليس طبيعية، لإعاشة البروليتاريا بحيث تعيش طبقة البروليتاريا على الصعيد العالمي بنسبة اقل من الثروة الاجتماعية العامة في بلد ما و على الصعيد العالمي. ان الوسائل الضرورية لإعاشة الطبقة البروليتارية ستكون ارخص بكثير وفق نظام غذائي هجين تدار بالتكنولوجيا الزراعية الذكية. هنا التساوي او المساواة بالاجور ليس حالة عددية او فنية بل نوعية. بمعنى انها لا تساوي ارقام الاجور في العالم كله بل التساوي في نوع المعيشة الضرورية.

أما الاحتكار المتراكم وتمركزه سيؤدي الى الحروب ونتائج وخيمة على البشرية؛

الحــــــــــــــــــــــــــــــــروب!

الاحتكار والصراع بغية الاستحواذ على الاسواق العالمية وخصوصا بين العملاقين العالميين الصين وامريكا وبالتحديد حول القطاعات الإنتاجية الجديدة والمتجددة، تاخذ ابعاداً خطيرا على المجتمع البشري برمته. الاحتكار المتراكم و تمركزه سيؤدي الى الحروب لا محالة وفق المقتضيات الضرورية لرأسمال الطرفين على الصعيد العالمي. اما الحرب فليست بالضرورة ان تكون حربا عالمياً، ولو إن فتح الفضاء من قبل القوى العالمية المتعددة، و تحقيق الحياة في كواكب اخرى، و نقل الحياة والاسواق والاستثمارات اليها، ستزيد من امكانية وقوع الحرب العالمية على كوكبنا مرة اخرى.

وفق هذا الأساس الموضوعي والمتلازم للانتاج الرأسمالي، ستكون البنية الرئيسية لاتجاهات توظيف الرأسمال في إستثمارات إنتاجية هي: إن تكون منتجة؛ منتجة للثروة و تراكمها، و ليس إستجابة للحالة المعيشية او ما تتطلبه الاكثرية القصوى من سكان الارض. بل فائض قيمة حاملة للرأسمال، بمعنى تراكم الرأسمال. اذن ان رأس المال يهدف الى مايسمى الربح عبر عملية استحواذ على  فائض القيمة. تضاف الى ذلك فرض الضرائب العديدة؛ كقانون ازلي تدخل الى خزانة الرأسماليين الكبار عبر الدولة و خصوصا في مرحلة الازمات الاقتصادية، او عبر التحايل على السرقة المباشرة من الثروة الاجتماعية التي تملكها الدولة، او عبر تحويل الودائع النقدية او الفعلية لجموع المودعين الى خزينة الرأسماليين الكبار بوسائل شتى منها شركات التأمين والأسهم والمضاربة بها في البورصات العالمية والمحلية.

كل الأحاديث الإعلامية للبرجوازية بمجملها – يسارها ويمينها، ديكتاتوريتها و ديمقراطيتها-  في هذه المرحلة موجهة لتزّين إستثمارات الإنتاج وتراكم الثروة و ديمومتها بمفاهيم إنسانية ومنمقة على شاكلة  المحافظة على البيئة الخضراء، صديق البيئة، الطاقة النظيفة وتنمية مستدامة، فرصة العمل وتحيد الكاربون في الهواء وحقوق الانسان....كلها كذب ونفاق محض، و بالتحديد نسمع كثيرا هذه الأقاويل، من الهيئة الحاكمة للطبقة البرجوازية الأمريكية. وفق أسس إتجاهات الإنتاج في ظل النظام الرأسمالي -الربح و تراكمه و ديمومته- و في ظل إنسجام البرجوازية العالمية على اقتصاد السوق "على الرغم من التباين الكبير على أساليب إدارتها" وفي خضم الازمة الإقتصادية العالمية والمرحلة الإنتقالية الراهنة وصراع شرس على تبؤ الموقع الأول في قيادة الرأسمالية على الصعيد العالمي، يحاول الرأسمال ان يشق قنوات إنتاجية مربحة. رأسمال يحدد إتجاهاته الرئيسية كقضية موضوعية وبغض النظر عن الصراعات الراهنة بين مختلف الأقطاب البرجوازية - ربما تعيقها ولكن ليس بامكانه وقف اتجاهاته- وفق مشيئته -الربح-، لصيروة رأسمال نحو تجديد نظامه وصوب خلق الربح بإشكال اكثر تقنية وضمان إعادة إنتاج الربح وتوسيعه عبر فتح قنوات و قطاعات إنتاجية جديدة. إنتاج ربح,  لكن اكثر بعداً عن تنشيط أو تشغيل سوق قوة العمل من جانب و توسيع الهوة بين الرأسمال الثابث -كافة مواد الإنتاج بدون قوة العمل "الصناعات الذكية و البنية التحية و.....الخ"- و الرأسمال المتغير -قوة العمل- من الجانب الاخر. هذه هي مصائر الرأسمال حيث يبتعد يوما بعد يوم عن تطلعات و طموحات ورفاهية الأكثرية الساحقة من سكان الأرض. عليه وفق هذه الأسس والاتجاهات العامة لرأس المال على الصعيد العالمي، يدخل استثمارات رأسمالية ضخمة في قطاعات عديدة، لعل أهمها ادناه:

أولا: الاتصالات وتقنية المعلومات: استثمار في شبكة الاتصالات الجيل الخامس والأجيال القادمة: تخمنْ استثمارات الرأسمالية في هذا القطاع الإنتاجي الأهم بأكثر من 8 تريليون دولار لغاية سنة 2030.  لكن هذا جزء فقط من تلك الحركة الملتوية الصاعدة لرأسمال، حيث ان هذا الجيل من الاتصالات هي الثورة في الصناعات الذكية و تؤثر على كافة القطاعات إنتاجية و صناعية أخرى، عليه و بمفهوم الرأسمال ان الإنتاج الربح ليس كافيا، بل تطوير و تحديث الإنتاج الموسع الذي بدوره يخلق قطاعات إنتاجية اضخم و اضخم. وفق هذه الاتجاه التاريخي للرأسمال تخلق هذه الشبكة قطاعات انتاحية التي تعتمد عليها الاقتصاد العالمي برمته: تطوير بنية الامن السيبرياني، المدن الذكية، انترنت الأشياء، أجهزة الحاسوب, الهواتف الذكية، السيارات ذاتية الحركة و هندسة الروبوتات والرقائق الالكترونية، و المواد الرئيسية لتصنيعها –أشباه الموصلات- و التجارة الالكترونية التي وصلت نبستها الى 13٪  من التجارة العالمية لسنة 2019 و هذا يعني ان رقم التبادل التجاري الإلكتروني وصلت الى 3,3 تریلیۆن دولار. الإنتاج يشمل ايضا القطاع الإعلامي خصوصا في  "السوشيال ميديا" و تسمياتها المختلفة و القنوات الفضائية و شركات تسلية و ترفيهية للافلام و المسلسلات و الموسيقى و الاعلانات. هذا القطاع مؤثر لتحميق المجتمع و ابعاده عن المسائل الحياتية و الضرورية و في الوقت نفسه قطاع منتج للربح. هذا القطاع هو بالتحديد قطاع صناعة الافكار و صناعة التقاليد و تحديد مسارات الحياة و العمل و سبل مواجهة الافكار المضادة للرأسمال.

ثانيا: الطاقة: الطاقة المتجددة او النظيفة، او الطاقة غير الاحفورية. إن توليد طاقة الكهرباء على الصعيد العالمي في سنة 2010 بطاقة متجددة وصلت الى 414 كيكا وات من الكهرباء اما في سنة 2019 وصلت الى 1650 كيكاوات. هذا يمثل طفرة نوعية في الاستثمار الرأسمالي في هذا القطاع الحيوي المهم، حيث وصل الاستثمار الرأسمالي بين السنوات 2010-2019 الى 2,6 ترليون دولار. البرجوازية العالمية تروج لهذا القطاع على انه صديق للبيئة وتهدف الى تحييد غاز ثاني اوكسيد الكاربون. وهذا نفاق محض. القضية الرئيسية هي ان الطاقة الاحفورية الفحم والنفط وصلت الى نهايتها كحافز لتراكم الربح وخلق قطاعات إنتاجية موسعة في قطاعات اخرى التي تخلق الربح بدورها. تتفرع في هذا الميدان الى إنتاج: الطاقة لموجات مائية وطاقة مائية بصورة عامة، طاقة الرياح، طاقة شمسيه والطاقة الحيوية وهي طاقة مستمدة من الكائنات الحية النباتية والحيوانية منها والكهرو نووية... وهذه كلها تتطلب بنية تحتية جديدة لإنتاج وديمومة هذه الطاقات لا يشبه تقنيتها تقنية الطاقة الاحفورية، مثل إنتاج الألواح الشمسية، توربينات الهواء والبطاريات والمركبات الكهربائية ناهيك عن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع.

ثالثا: صناعة الغذاء والتكنولوجيا الحيوية(بيوتكنيك): شهدت الصناعات الغذائية تغييرات جذرية سواء كان في الإنتاج ومعدلاته العالية او في محتوى التغذية الصحية الي ان وصلت الى درجة سيئة جداً. القضية ليست إنتاج الغذائي الكلاسيكي بل إنتاج الغذاء الحيوي او الهجيني وفق تعديل الجينات الوراثية للأغذية الرئيسية وخصوصا تعديلات جوهرية في البذور الاساسية. بصورة عامة تستخدم التكنولوجيا الحيوية في قطاعات صناعية عديدة اهمها: الطب، العلاج الجيني للإنسان، الصيدلة الجينية، الطب العدلي"DNA "، إنتاج الاسمدة الحيوية، وتعديل وتحوير الفيروسات والبكتريا، واخيرا في مجال الزراعة والنباتات..... إن كل هذه الارضية الإنتاجية تفتح افاقا جديدا لاستثمار الرأسمال واعادة توسيعه، وتخفيض سعر قوة العمل عبر خفض اسعار مواد اساسية بتقنية بيوتكنيك.

رابعاً: الصناعة العسكرية و الفضاء: تطور قطاع التكنولوجيا العسكرية و تكنولوجيا صناعات الفضاء خصوصا الأقمار الصناعية وتشكيل كوكبات صناعية بدرجات عالية من التطور التقني. وبصورة ملموسة في قطاعات الصواريخ البالستية والعابرة للقارات والفرط الصوتية، صواريخ تحميل سفن الفضاء، ناهيك عن الغواصات النووية. وصلت تجارة الاسلحة خلال سنة 2020 فقط وهي عام جائحة كورونا الى  1,650ترليون دولار.

خامساً: تكنولوجيا المواصلات: تطور تكنولوجيا المواصلات ؛ القطارات السريعة و ذاتية الحركة، السيارات ذاتية الحركة، السيارات الشخصية و مركبات الشحن الطويلة، و مركبات الخدمات البلديات و اللوجستيك، سفن الشحن التجارية، طائرات المسافرين.

ثالثا: اتجاهات ألايدولوجية البرجوازية

ألايدولوجية البرجوازية، يحددها الصراع الطبقي الدائر في كل لحظة، و حركة الرأسمال بغض النظر عن التوجهات المتباينة لمختلف الحركات البرجوازية والبلدان وفق المسار التاريخي الذي اتخذه الرأسمال في هذا البلد او ذاك و بغض النظر عن اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الرأسمال بين عدد من البلدان و خصوصا بين روسيا و الصين من جانب و أمريكا و الاتحاد الأوروبي من الجانب الاخر، إلا  إن الاتجاه او المسار المشترك لحركة الرأسمال صوب تجديد نظامه و إعادة إنتاجه وتراكم الربح على أساس الثورة العلمية الرابعة، او ثورة الصناعات الذكية، و إبعاد أكثرية البروليتاريا من دائرة العمل على أساس انفاق زائد في الرأسمال الثابت... هو المسار ذاته او ألاسلوب ذاته: اقتصاد السوق بصورة عامة و ضمان سيادة طبقية للبرجوازية، هذه هي البنية الأساسية لبناء الايدولوجية أو صناعتها.

ألف: الايدولوجيات الماضية و الباقية لحد الان، انتهت صلاحياتها كمادة لتحميق الجماهير و ابعادهم عن المسائل المعيشية و الضرورية لحياتهم و نضالهم المستمر. الديمقراطية بغض النظر عن ملحقاتها و مقدماتها و مشتقاتها لم تبقى أداة مؤثرة و لم تبقى اطارا مؤثرا لتحميق ألاكثرية القصوى من الناس في البلدان المتطورة بما فيها أمريكا و البلدان الرئيسية للاتحاد الأوروبي و فق استطلاعات الراي العديدة حول هذه المسالة. بمعنى ان الديمقراطية فقدت مؤهلاتها لتحميق البروليتاريا و خصوصا في أوروبا و أمريكا او ماتسمى بالبلدان او التحالف الغربي سابقا. الديمقراطية في ابهر صورها في هذه المرحلة هي: فكر و ايدولوجية اقتصاد السوق و الحريات القانونية في مجتمع ما و هي ايدولوجية سياسية بحتة. البرولتياريا كطبقة عالمية ليست بحاجة الى الديمقراطية في هذه المرحلة لتهئية ذاتها او لتمكينها بقيام ثورتها المنظمة او غير المنظمة. 

باء: القومية كأيدولوجية للطبقة البرجوازية انتهت صلاحيتها بل اصبحت عائقا كبيرا امام تطور رأس المال و عولمته الحتمية. الأحزاب و القيادات و الدول التي لديها أفكار و ايديولوجية قومية كالصين مثلا، ليست مرغمة على النهج اللاقومي في إدارة الاقتصاد فحسب، بل تقود حملة شرسة في سبيل عولمة الاقتصاد. هذه الحالة المتناقضة لن تبقى طويلا. حركة رأس المال ليس بإمكانها ان تتقوقع في ظل ايدولوجية قومية أينما كانت ، بغض النظر عن الحركات البرجوازية التي تتبنى ايدولوجية قومية. القومية كايدولوجية برجوازية و كاتجاه لرأسمال في فترة تأريخية محددة، تجاوزها التاريخ بكل معنى الكلمة، تجاوزها التاريخ الرأسمالي و تناقضاته الداخلية.

جيم: مسألة الأديان: الأديان بصورة عامة والإسلام تحديدا ، اصبح جزءاً و عمودا من ألاعمدة الرئيسة في الفكر و الايدولوجية البرجوازية المعاصرة. الفكر الديني و بالتحديد الإسلامي أصبح جزءأ مهما من سلة الأفكار للبرجوازية العالمية. البرجوازية العالمية تحتاج الى الأديان خصوصا الإسلام و المسيحية و مشتقاتهما و اليهودية كثالوث الأديان التي تسمى أديان سماوية. المسيحية و خصوصا المسيحية اليهودية أو الانجليكانيين تيار ديني مسيحي صاعد و مؤثر في عديد من البلدان وخصوصا في أمريكا. الأفكار و التصورات التي تنادي بعدم تطابق الإسلام وحركاته وافكاره مع النظام الرأسمالي المعاصر، هي تصورات غير طبقية وفي احسن الأحوال تصورات تنطلق من مناهضة الإسلام السياسي و ليس النظام الرأسمالي.

الازمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية الراهنة هي ازمة في صلب النظام الرأسمالي بكل تفاصيله بما فيها بنيته التحتية و الفوقية، أي الأفكار و الايدولوجيات و الثقافات و الادب والفن.... البرجوازية العالمية مثلما فقدت بوصلتها لحلحلة ازمتها الاقتصادية، بنفس القدر و اكثر فقدت افقها في بناء منظومة فكرية و ايدولوجية جديدة تواكب عصر عولمتها، هذه هي تناقضات تضاف الى تناقضاتها الاخرى لهذا النظام، الذي لايجيد في المحصلة الاخيرة غير فرز الدم.

الشركات العالمية الكبرى تحتاج الى الربح و قطاعات إنتاجية مربحة عبر سلسلة من الاحتكارات و الصراعات الشرسة، و هذا هو الاتجاه العالمي السائد في هذه المرحلة. عليه و الشركات لاتحتاج الى ايدولوجية قومية و لا ديمقراطية ولا حقوق الانسان. الايدولوجية الوحيدة التي تحتاجها هي: فردانية الانسان، أي جعل الانسان فردا وجعل طبقة البروليتاريا أفردا آحاد امام قوانين شركاتهم و دولهم. قدسية القانون البرجوازي  هنا تساوي قدسية الأديان. هذه منظومة ربما تنسجم مع الليبرالية الكلاسيكية، لكن التاريخ تجاوزها أيضا. الايدولوجية القائمة حاليا للبرجوازية العالمية: هو الأديان و قدسية القوانين؛ و الدين افيون الشعوب. الدين يلبي طلب الشركات العالمية وفق وصفات ماوراء الطبیعة، حيث الفرد يواجه إلاله بصورة فردية وأحادية  ويغذيه روحياً بعالم افضل "الجنة".

لكن وعلى الرغم من سيطرة البرجوازية على مصائر البشرية جمعاء، تضاف اليه كل الصعوبات والعوائق الموضوعية والذاتية التي وضعت و ستوضع بإستمرار امام حركة البروليتاريا العالمية، إن طبقة البروليتاريا العالمية ستنهض بقوتها، و ستنظر الى ماضيها التأريخي و النضالي، وسينمو تنظيمها و تعلن مقدرتها في الدفاع عن آمال و طموحات طبقتها. ستنال من البرجوازية وتهز كل متاريسهم الدفاعية المهزوزة الواحدة تلوى الاخرى على رؤوسهم، وحسم معركتها، حتى يتسنى لها إستعادة قوتها التنظيمية الموحدة. عليه وهي تعلم بان موقعها ومكانتها الاجتماعية الراهنة لا تتطابق مطلقاً مع موقعها السياسي و السيطرة السياسية.

موقع و مكانة الطبقة العاملة

طبقة البروليتاريا العالمية هي الوحيدة التي بإمكانها ان تقود الثورة، منذ مائة سنة الماضية هي الان وفي هذه المرحلة تقف لوحدها في مواجهة البرجوازية العالمية بدولها و تقاليدها و ثقافتها و ايدولوجيتها، تقف وحدها بمعنى ليس هناك في صفوف الطبقة البرجوازية و احزابها من يدافع عنها او يمثلها او يبرز مطالبها كما كان الحال في فترة الحرب الباردة.

البنية الاقتصادية للتطور الرأسمالي المعولم، كسرت مقدسات الحدود القومية والوطنية وسيادة الدول البرجوازية على حدودها واسواقها. ليس بإمكان الرأسمال وحركته الصاعدة وبغض النظر عن سياسات دول مختلفة، ان يبقي او يحجم إنتاجه في اطر قومية ووطنية او حتى قارية، بل تشمل كوكبتنا وأكثر بمعنى الفضاء الخارجي. هذا الاتجاه للرأسمال، هيأ ويهيئ الارضية الموضوعية المناسبة للثورة الشيوعية. وقبل ذلك سيبدأ تشكيل طبقة بروليتاريا عالمية تتمتع بميزات اممية فعلية وموضوعية وستتوسع يوما بعد اليوم.

عليه وعلى اساس هذه البنية الموضوعية، فإن موقع طبقة البروليتارية في هذه المرحلة نلخصها بالنقاط التالية:

الأول: شكلت طبقة البروليتاريا العالمية كفعل تاريخي كما ذكرناه في  القسم الاول من هذه الوثيقة.  بمعنى طبقة عالمية تشكلت ليس حول برنامج او شعارات او مطالب فحسب، بل بصورة اندماج فيزيقي بين ابناء بروليتاريا في مختلف البلدان العالم. حيث إن اجزاء مختلفة من أعضاء البروليتاريا المتواجدة في أسواق الدول المختلفة دمجت في السوق العالمي عبر التنقل والهجرة او عبر استيراد وتصدير قوة العمل. القومية كأيدولوجية مصطنعة لم تبق لها ارضية موضوعية للبرجوازية العالمية -ماعدا عدد من المناطق الصغيرة-  بل اصبحت عائقا امام تطورها، وفي كل مكان في العالم.

ثانيا: تغيرات في منظومة فكر البروليتاريا، بطبيعة الحال بدأت هذه الحالة في البلدان الرأسمالية الاكثر تطورا، مثل الصين وامريكا والمانيا، حيث نرى نماذج من احتجاجات واعتصامات وتجمعات عمالية ولو صغيرة، خلقتها السوق العالمي بصورة مباشرة، وافرزها الصراع بين البرجوازية العالمية والبروليتارية العالمية. هنا البروليتاريا تقف بوجه الشركات العالمية الكبرى، امازون وجوجل وايكيا وشركات النفط اكسون موبيل وشيل وشركات السيارات تويوتا وغيرها.... هذه البنية للاحتجاجات تفرز تغيرات فكرية عدة وعلى مستويات نضالية عديدة، من حيث؛ طرح المطالب العمالية، منظمات عمالية، علاقة طليعي الطبقة مع بعضهما البعض، سبل تنظيم الاحتجاجات العمالية اشكالها واساليبها. بطبيعة الحال ستؤثر على التغيرات في الفكر السياسي البروليتاري على اساس البنية الموضوعية التي اوجدها الرأسمال ذاته.

ثالثا: تواجه البروليتاريا مشكلة جدية، وهي الخروج الكم الهائل للعمال ذوي التجربة النضالية والتنظيمية خلال هذا العقد، سواء عبر تقاعدهم بسبب السن او بسبب عدم امتلاك مؤهلات اكاديمية تقنية، حيث الذكاء الاصطناعي يسيطر على مناخ الإنتاج الصناعي والتجاري العالمي خلال هذا العقد. الجزء الطليعي من البروليتاريا وخصوصا في صفوف القوى المنتجة الجديدة، لديها مهارات تقنية كبيرة و الاقتصاد العالمي يعتمد على هذا النوع من قوة العمل خلال السنوات القادمة، لكن هذه القوة الجديدة نوعا ما، ليس لديها تجارب نضالية خصوصا في هذه المرحلة الا قليلاً، لأنها بصورة عامة جديدة في المشهد النضالي و لديها اجرة عالية مقارنة بأقرانها في قطاعات اخرى، هذا من جانب و من الجانب الاخر و الاهم، إن هذا الجيل، وهو جيل ترعرع بعد سقوط الشيوعية البرجوازية الروسية، عاش و تربى و تعلم في ظل سلب التقاليد الاممية الاولى -النضال و التعاضد والاتحاد الواعي والاممي بين مختلف ابناء طبقة البروليتاريا في مختلف البلدان- و تقاليد شيوعية ماركس النضالية من البروليتاريا العالمية... الشيوعية كحركة اجتماعية بروليتارية تواجه معضلة جدية هنا.

رابعا: تواجه البروليتاريا بصورة مباشرة الشركات العالمية الكبرى عبر مصانعهم ومؤسساتهم في بلدانهم او عبر عدة بلدان في آن معاً... هذه الظاهرة تختفي فيها الدولة بصورة شكلية كمؤسسة برجوازية وكسلطة لصالح الشركات العالمية ومصالحها، إذا لم يكن لدى البروليتاريا الوعي الشيوعي اللازم للتصدي لهذا الامر. هذه القضية تبعد البروليتاريا عن القضايا السياسية في الوهلة الاولى، وخصوصا تلك التي تمس سيادة الدولة البرجوازية. أما بعد وعبر سلسلة من الانتفاضات والتحركات النضالية، ستدرك وستخرج من تجاربها الثورية، بقوة طبقية مؤهلة لإحداث التغييرات الثورية، وقيادة ثورة البروليتارية ذاتها.

خامسا: استثمارات راس المال على الصعيد العالمي تتجه بصورة عامة نحو المسائل التي لا تخص معيشة ورفاهية البروليتاريا والكادحين كما ذكرنا اعلاه، وهذا بدوره أدى وسيؤدي حتما الى تعميق الهوة الطبقية بين البروليتاريا والبرجوازية، بين الفقر والثروة، بين الياس والجشع. ان التمركز وتركيز الرأسمال وصل وسيصل الى نقطة الغليان حيث أصحب العالم او بالأحرى الاقتصاد العالمي يدار من قبل حفنة من كبار الرأسماليين. النظام الرأسمالي سوف لَنْ يبقى امامه، منافذ لمعيشة الأكثرية القصوى للبروليتاريا العالمية ناهيك عن الرفاهية الاجتماعية.

سادسا: الارضية التي ذكرناها في الفقرات أعلاه، أرضية مَوضوعية لثورة البروليتاريا التي تبدأ في البلدان المتطورة اقتصاديا، وفق تجارب نضالية مكتسبة او منجزة.  

اما المشكلة الكبرى والعائق الاكبر امام المجتمع البشري برمته، هي عَدمْ إستعداد البروليتاريا لقيادة ثورتها المنظمة. البروليتاريا العالمية غير منظمة وغير مستعدة لشَن حملة نهائية ومصيرية، عليه يستوجب تأهيل ذاتها ورفع استعدادها لتمكينها من أداء هذا الدور، وذلك عبر الدعاية المتواصلة والتنظيم المستمر وبناء صرحها الاممي حول بيان عالمي معاصر –المانفيست- وبناء احزابها العمالية في هذه المرحلة العصيبة للمجتمع البشري قاطبة، كخطوة اولية صوب تحقيق أهدافها.

ان ثورة البروليتاريا بدون شيوعية ماركس، وبدون التقاليد النضالية للأممية الاولى، ليس بإمكانها ان تصمد امام جبروت البرجوازية العالمية من حيث التنظيم والقوة العسكرية والقوة الاعلامية التي لاتقل اهميتها عن القوة العسكرية، ناهيك عن القوة الاقتصادية الجبارة. مرة أخرى نؤكد حاجة البروليتاريا العالمية الى منهجية وافكار ماركس في عالمنا المعاصر.

الاتجاه الماركسي المعاصر

28.06.2021