الورقة البيضاء، وثيقة إفقار وحرمان الأكثرية و إثراء الأقلية الفاسدة
المقابلات

الورقة البيضاء، وثيقة إفقار وحرمان الأكثرية و إثراء الأقلية الفاسدة

حوار الاتجاه الماركسي المعاصر مع عامر رسول


الاتجاه الماركسي المعاصر: كيف تنظرون الى "الورقة البيضاء" التي اصدرت من قبل الحكومة العراقية في منتصف اكتوبر الماضي بخصوص الاصلاحات الاقتصادية المزمع تنفيذها في المرحلة القادمة؟

أصدرت الحكومة العراقية كما ذكرتم في منتصف تشرين اول الماضي، وثيقة أطلقت عليها "الورقة البيضاء" قامت بصياغتها خلية الطوارئ للإصلاح الاقتصادي، حيث تضمنت في طياتها الـــــ 95 صفحة، مجموعة من المحاور والفقرات تتطرق لحزمة من الإصلاحات المالية والاقتصادية وفق رؤية سياسية واضحة المعالم سنتحدث عنها لاحقا. وتنظر حكومة الكاظمي الى الوثيقة على انها مفتاح لكل الحلول والمعالجات الجذرية للنظام الاقتصادي بأكمله في غضون السنوات القريبة القادمة. وفي تغريدة على حسابه في (تويتر)، قال الكاظمي متفائلا "إن ورقة الإصلاح البيضاء التي قدمناها اليوم للقوى السياسية، هي مشروع حل لأزمة إدارة الاقتصاد المزمنة والاعتماد الكامل على النفط وعدم تنويع مصادر الدخل".
قبل الحديث عن الاصلاحات المزعومة والواردة في هذه الوثيقة، علينا الوقوف بشكل سريع حول دور ومكانة رئيس الوزراء الجديد والظروف السياسية التي انتجته والمهام السياسة المناط على عاتقه في هذه المرحلة.
لا يخفى على أحد، بان العراق كان ولايزال ساحة لصراعات محتدمة بين الجهات المتصارعة الدولية والاقليمية، حيث تمدد الصراع إبان حقبة الاحتلال الامريكي سنة 2003، ومرت بمراحل مختلفة الى ان وصلت في آخر المطاف الى استقالة عادل عبدالمهدي وتشكيل حكومة الكاظمي في آيار 2020، وان مقتضيات وادوار هذه المرحلة تحولت لصالح كفة امريكا بنسب متفاوتة مقارنة بنفوذ وهمينة(وهيمنة) إيران في المراحل السابقة، مما مهد الطريق لهم بترشيح الكاظمي المحسوب على قائمة المقربين من امريكا لرئاسة الوزراء. ويصبح الامر جليا للمرء عندما نقول ميلان كفة الميزان لصالح امريكا وان شخصية الكاظمي تكون مناسبة لاداء دور واستكمال سياسية امريكا في العراق باتجاهين متوازيين، يتمثل الاتجاه الاول بفتح العراق على مصراعيه لاقتصاد السوق الحر واستكمال مشاريعهم السياسية وركائزهم الرئيسية التي بدأوا فيها منذ 2003 وفق شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والاتجاه الثاني يتمثل في محاولة لجم دور إيران في العراق. وكانت التحضيرات والمقدمات لاصدار هذه الورقة واضحة، حيث تم استقبال الكاظمي في البيت الابيض وبعدها تم ترتيب لقاء له مع كريستالينا جورجيفا مديرة عام صندوق النقد الدولي، وجرى خلال اللقاء تقديم المحاور الرئيسية لـ "الورقة البيضاء" والتي من المقرر ان تسيّر عمل والية النظام الاقتصادي والمالي العراقي في المرحلة القادمة. عند امعان النظر في تفاصيل "الورقة البيضاء" يظهر لنا انها مطابقة لشروط صندوق النقد الدولي بوصفاتها الجاهزة والمشتركة في الكثير من نقاطها التي تهيء لنشرها لكل الدول العالم التي لأمريكا اليد الطولى في التدخل في شؤون اقتصادها وسياستها. وان هذه الورقة قدمت قبل العراق لمعظم دول العالم منها أمريكا اللاتينية والى بعض دول اوروبا الشرقية والى تركيا واليونان وقبرص وغيرها، واخرها تقديم نفس النسخة من هذه الورقة الى لبنان. على الرغم من الاختلاف في اصدار تواريخ تلك الاوراق والموقع الجغرافي للدول، الا انها تحمل في جوهرها محتوى وتوجه اقتصادي واحد، متفق عليه بالإجماع وهو توجه رأسمالي يسعى الى الهيمنة والتحكم وتقوية النفوذ من خلال وضع خدماتهم تحت تصرف "الشركات العابرة للقارات والقوميات"، حيث يقوم صندوق النقد الدولي بدور الجهة التنفيذية لانجاز هذه المهام من خلال اغراق الدول بقروض غير قابلة او صعبة التسديد تحت غطاء ما يسمى بالتنمية وتصحيح المسار الاقتصادي وفق شروط تعجيزية وتكون صفقات القروض بمثابة فخ ومصيدة تقع معظم الدول النامية في فخ تلك المديونية.

الاتجاه الماركسي المعاصر: ماذا يتضمن جوهر ومحتوى هذه الوثيقة؟
ان امعان نظرة التدقيق وعند تسليط الضوء على محتوى الورقة البيضاء ومحاورها الرئيسية يبين لنا انها تستند بشكل مباشر الى آليات وضوابط صندوق النقد والبنك الدوليين وتتطابق مع توجهاتهما السياسية والاقتصادية.
حيث جاء في المحور الأول من الورقة، هجوم شرس على حساب ودخل الموظفين من خلال فرض خفض الأجور والرواتب الحكومية بنسب تتراوح من 12-25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال ثلاث سنوات، من اجور ورواتب هي في الاصل لا تسد تأمين الحاجيات الضرورية للموظفين وعوائلهم، وتم فك ارتباط ووقف تمويل صندوق التقاعد من الموازنة العامة، وصرف الرواتب من الصندوق.
كما أقرت خفض الدعم المالي من قبل الحكومة للشركات المملوكة للدولة، وخفض الدعم الحكومي للناتج المحلي الإجمالي، واستيفاء أجور الطاقة الكهربائية "وفق التسعيرة العالمية"، وزيادة أجور الجمارك والضرائب، وإعادة هيكلة سلم الرواتب العامة من خلال إيقاف عمليات التوظيف والاستبدال الجديدة (ما يسمى اداريا بالحذف والاستحداث) في القطاع العام، إضافة إلى تحديد سقف الحد الأعلى لرواتب الموظفين، وتطبيق ضريبة الدخل على مخصصات الموظفين والحوافز والعلاوات وغيرها من الإجراءات، ناهيك عن تخفيض الرواتب وتسريح عدد واسع من الموظفين وخصخصة المشاريع المحلية والموارد الطبيعية التي تمتلكها الدولة. هذه الوصفة الجاهزة لا تميز تقريبا بين دولة وأخرى فهي نهج عام يحاول فرض نمط اقتصادي موحد في إطار السعي لفرض تحرير الاسواق المالية والتجارية وازالة كل الحواجز التي تقف امامها، مع تقليص وتخفيض الإنفاق الحكومي وخصخصة السوق التي تهدف في المحصلة الاخيرة على الى تراكم الثروات وخلق الاحتكارات الرأسمالية الفاحشة للمال، في مقابل إنهاك الجماهير المحرومة عبر اثقال كاهلها بالضرائب والرسومات المتصاعدة والغلاء .... الخ وتحميلهم تبعات الأزمة الاقتصادية.

الاتجاه الماركسي المعاصر: لماذا ترفضون الاصلاحات الاقتصادية في حين ان الكثير من الاوساط الاعلامية تطبل لهذه الوثيقة وتعتبرها مخرجا للازمة الاقتصادية الخانقة، وينظرون الى الكاظمي على انه المنقذ للاقتصاد العراقي من التدهور الحتمي؟
ان نمط السير التاريخي للرأسمالية تعطينا صورة واضحة على ان منظومتها تمر عبر أزمات ولا تستطيع الادامة بحياتها من دون المرور بأزمات وخلق أزمات، واصبحت الازمة صفة متلازمة للنظام الرأسمالي، فلا بد لهم بالتفكير في كيفية مواجهتها واعطاء الحلول والبدائل بشكل تعيد ديمومة الحياة لهذا النظام، والنماذج التاريخية للأزمات التي خلقتها الرأسمالية كثيرة اهمها، أزمة الائتمان 1772 والكساد الكبير 1929-1939 و...و... وصولا الى الأزمة الاقتصادية 2008.
ومن هنا بدأت فكرة الاصلاحات والبدائل باعتبارها أحد الحلول وطريقا للخروج من تلك الازمات، اذ ان الاصلاحات عموما و"الورقة البيضاء" نموذجا، لا تمت بأي صلة بتحسين الظروف المعيشية والاجتماعية للجماهير المحرومة، وانما هو اصلاح للمؤسسات الرأسمالية والبرجوازية العراقية، من خلال سلب حقوقهم وسرقة رواتب العمال والموظفين، وان اصلاحاتهم تعني تفشي البطالة المليونية.
وان تلك الحكومات لا تمثل مصالح الطبقة الأثرياء من خلال تفريغ جيوب الجماهير فقط، وانما تشرع وتعمل في نفس الوقت لتقوية وحماية مصالح الطبقة الاقلية التافهة مقابل افقار وحرمان الاغلبية الساحقة.
وبهذا المعنى، نرى بان مسألة الاصلاح هو مفهوم طبقي تخص الطبقة البرجوازية التي تعيد هيكلة الاقتصادي الرأسمالي وفق مصالح الرأسماليات الكبرى عالميا و محليا، عبر سياسات تقليل نفقات الدولة و دمج الوزارات وسياسة ترشيق الدولة ....الخ. ويحاولون من خلالها اعادة أنفسهم بالدرجة الاساس وفي نفس الوقت محاولتهم لتوهم قسم من الجماهير لصالح سياساتهم.

الاتجاه الماركسي المعاصر: ماهي التبعات السياسية والاقتصادية للورقة البيضاء على الطبقة العاملة وما هي دور ومهام العمال في هذه المرحلة؟
السياسة الواردة في "الورقة البيضاء" هي سياسة رأسمالية ليبرالية حتى النخاع بقدرة كارثية وتدميرية كبيرة بصورة تشكل تهديدا حقيقيا لحياة الملايين من البشر، حيث تمارس مهامها التي رسمتها لنفسها في تراكم وتكديس الثروة والربح والهيمنة من خلال توسع سوقها العالمي على حساب الطبقة العاملة وعموم الجماهير المسحوقة، ولا تتوانى لحظة في تدمير اي بلد او اية بقعة جغرافية في العالم وتحطيم بنيتها التحتية سواء كان عن طريق الحروب او فرض شروطها الاقتصادية والسياسة وفرض التابعية على الدول الدائنة.
وان الاحداث التي تعصف بالعراق الان هي عبارة عن سلسلة ازمات متتالية تظهر باشكال ومستويات مختلفة، وهي في الجوهر اعراض وتداعيات لأزمة سياسية واقتصادية رأسمالية عميقة، كونها جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية، وغلفت تلك الازمات بغطاء ما يسمى بالعملية السياسية والاصلاحات الاقتصادية، وهذا لا يتم الا عبر سلسلة من السياسات الرأسمالية تمس بشكل مباشر الحياة المعيشية اليومية للطبقة العاملة ومعها الجماهير الكادحة والمحرومة وتؤدي الى المزيد من الحرمان والفقر وسلب الحقوق الاساسية لهم. في ضوء تلك المعطيات والمؤشرات التي ذكرناها، تواجه الطبقة العاملة تحديات كبيرة في مسيرة نضالها تستهدف كيانهم وهويتهم الطبقية، وانها لصراع طبقي محتدم بين الراسمالية المقيتة التي تمثلها الحكومات المتعاقبة في العراق وبين الطبقة العاملة والكادحين. وان جميع الحكومات متفقة على غرس وتعزيز نفس الخيارات الاقتصادية والاجتماعية لتقوية ركائز هذا النظام الفاسد.
الطبقة العاملة تواجه تحديات كبيرة في مسيرة نضالها في مجابهة تلك السياسات الرأسمالية القائمة، ولكن يبقى خيار التنظيم والوحدة والافق السياسي الواضح واظهار بديلهم الاجتماعي والسياسي اهم خيار عملي متاح تحت ايديهم. وان قدرة وامكانيات هذه القوة الغائبة في الوقت الحاضر في الساحة السياسية بامكانها قلب الموازين رأسا على عقب وكنس كل المنظومة السياسية القائمة في حال تم تأمين المناخ والبيئة المناسبة للعمال من انجاز هذه المهام التاريخية، كما ان حضور هذه القوة بوصفها طبقة مستقلة وبأفق البديل الاشتراكي هو كفيل بقيام ثورتها العمالية.
ومن منطلق هذا الواقع، يتوجب على الشيوعيين والعمال الاشتراكيين والراديكاليين في الميادين المختلفة العمل على توحيد قوتها الطبقية من خلال تنظيم نفسها وربط جميع قطاعاتها ووحدات عملها وان تهيئ نفسها لنضال على الصعيد العام، اي بمعنى ربط العمال في القطاعات العامة والخاصة في القطاعات الصناعية والخدمية مع القطاعات الاخرى، وتوثيق الارتباط الحيوي مع العاطلين. بدون انجاز هذه المهام الحيوية من قبل العمال، سوف يكون تنفيذ محاور الورقة البيضاء أمراً واقعاً وسيتحمل وِزرها وتبعاتها الثقيلة العمال وحدهم للسنين القادمة وتسير الامور الى اسوء حالتها.