يريد رأس المال في صناعة السيارات الألمانية استعادة قدرته على المنافسة، والفاتورة تتجه نحو المصانع: وظائف أقل، وطاقات إنتاجية مخفضة، وضغوط جديدة على العمال. لكن عمال فولكسفاغن، الذين قدموا بالفعل تنازلات مقابل حماية الوظائف والمواقع، يواجهون سؤالًا أكثر حدة: كم مرة يجب أن يدفع العامل ثمن أزمة لم يتخذ هو القرارات التي صنعتها؟
في فولفسبورغ ظهر الصراع بوضوح، عندما واجه أكثر من عشرة آلاف عامل الرئيس التنفيذي لفولكسفاغن، أوليفر بلوم، وسط احتجاجات على خطط إعادة الهيكلة. ويشكل اجتماع مجلس الإشراف المقرر في 4 سبتمبر/أيلول محطة مهمة في هذا الصراع.
تدفع الإدارة نحو تخفيض أعمق للتكاليف والطاقة الإنتاجية، تحت ضغط تراجع موقع الشركة في السوق الصينية، وتصاعد المنافسة في السيارات الكهربائية، والرسوم التجارية الأمريكية، وارتفاع تكاليف الإنتاج. ويدور النقاش حول خفض عشرات الآلاف من الوظائف الإضافية، مع طرح سيناريو يصل إلى 50 ألف وظيفة.
خلف لغة «إعادة الهيكلة» تقف مصالح اجتماعية مختلفة. فالإدارة تريد حماية الربحية والقدرة على المنافسة، بينما يدافع العامل عن أجره ووظيفته ومستقبل أسرته. والعامل لم يحدد استراتيجية فولكسفاغن في الصين، ولم يقرر الاستثمارات في البطاريات والبرمجيات أو كيفية توزيع الأرباح. ومع ذلك، عندما تتراجع النتائج، تصبح قوة العمل من أولى «التكاليف» التي يجري البحث في تخفيضها.
لكن الأزمة لا يمكن اختزالها في قرارات فولكسفاغن وحدها. فالمنافسة العالمية تضغط بقوة على صناعة السيارات الألمانية مع صعود الشركات الصينية وتسارع التحول نحو السيارات الكهربائية. وتدخل تكلفة قوة العمل في الصين ضمن عناصر هذه المنافسة، إلى جانب التطور الكبير في قاعدتها الصناعية والتكنولوجية. فالصين لم تعد مجرد موقع للإنتاج الأقل تكلفة، بل أصبحت مركزًا متقدمًا في السيارات الكهربائية والبطاريات، وتستثمر بقوة في الذكاء الاصطناعي والرقائق وأتمتة الإنتاج.
لكن العامل الصيني لا يقرر إغلاق مصنع ألماني، مثلما أن العامل الألماني لا يقرر أين يستثمر رأس المال. فالأخير يستطيع الانتقال بين البلدان بحثًا عن التكلفة الأقل والعائد الأعلى، بينما لا يستطيع العامل نقل أسرته وحياته كلما تغيرت حسابات الاستثمار. وهكذا تتحول المنافسة بين الشركات إلى منافسة مفروضة بين العمال: يُطلب من العامل الألماني خفض تكلفته لمنافسة قوة عمل أرخص في الصين أو المكسيك أو أوروبا الشرقية، بينما يتعرض العمال هناك بدورهم لضغوط زيادة الإنتاجية وخفض التكلفة.
والتحول التكنولوجي يطرح سؤالًا آخر: إذا أصبحت الأتمتة والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي تسمح بإنتاج العدد نفسه بساعات عمل أقل، فلماذا تكون النتيجة تسريح العمال بدلًا من تقليل ساعات العمل للجميع مع الحفاظ على الأجور؟ المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في من يقرر كيفية استخدام مكاسب زيادة الإنتاجية.
وقد أظهر عمال فولكسفاغن قوتهم سابقًا. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024 شارك نحو 100 ألف عامل في الإضرابات التحذيرية، ووصل عدد المشاركين في تحرك 9 ديسمبر إلى نحو 103 آلاف. وأعقبت المواجهة تسوية حافظت على المواقع الألمانية واستبعدت التسريح القسري لأسباب تشغيلية، مقابل تنازلات قدمها العمال.
واليوم تعود الإدارة للمطالبة بتخفيضات جديدة. فإذا قدم العمال تنازلات مقابل ضمان الوظائف، ثم أُعيد فتح الاتفاق عندما تغيرت حسابات الإدارة، فمتى تنتهي سلسلة التنازلات؟
ومن هذا المنظور، لا تغير المساعدات والمنح والتعويضات والتنازلات المؤقتة أصل المشكلة. فهي لا تعدو أن تكون «مسكّنات» تخفف الألم مؤقتًا من دون معالجة أسبابه. وما دامت الشروط التي تنتج البطالة وضغط الأجور وغلاء المعيشة قائمة، فإن المشكلات ستعود بأشكال مختلفة.
وعلى هذا الأساس، لا تكفي الإصلاحات وحدها ما دامت ملكية وسائل الإنتاج وسلطة اتخاذ القرار قائمتين ضمن العلاقات القائمة. ولا يملك العمال، في نهاية المطاف، بديلًا حقيقيًا لمعالجة أصل المشكلة سوى الثورة؛ أي تغيير علاقات الملكية والسيطرة التي تجعل قرارات الإنتاج والاستثمار والعمل خاضعة لمصالح رأس المال.
1 سبتمبر/أيلول 2026
